الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

42

نفحات الولاية

لا يتصور قوة أعظم منها لتقارن بها . ومن هنا فان أقوى الأفراد قد يهزم أمام أضعف ا لمخلوقات من قبيل الذبابة أو النملة أو حتى المكروب الذي تصعب مشاهدته بالعين المجردة بحيث يمرض الإنسان بمرض يعيي الأطباء عن علاجه ، وعليه فوصف ما سوى اللَّه بالقوة إنّما هو وصف مجازي والقوي بالمعنى الحقيقي هو اللَّه . وهذا ما أكدته الآية 165 من سورة البقرة : « أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » وقال في الصفة الرابعة : « وكل مالك غيره مملوك » لأنّ الملكية الحقيقة تنبع من الخلقة ؛ فالمالك الحقيقي من خلق كافة الكائنات التي لا تحتاج إليه في بداية خلقها فحسب ، بل تحتاج إليه في بقائها واستمرار حياتها . ومن هنا فان ملكية غير اللَّه اعتبارية ومجازية ، وبعبارة أخرى : إذا ملكنا شيئاً فأنّ اللَّه هو الذي ملكناه ، وإلّا فلا يملك أحد حتى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله شيئاً ، ومن هنا قال : « لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلّا ما شاءَ اللَّهُ » « 1 » ، كما صرحت الآية 6 ، من سورة آل‌عمران : « قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ » . وقال في الصفة الخامسة « وكل عالم غيره متعلم » لأنّ علمه سبحانه ذاتي وهو الذي يفيض العلوم على النفوس ، وعليه فلم يسبق بجهل ليعلم وليس لعمله من حدود ، بل علمه عين ذاته لامتناهي ؛ بينما لكل ما سواه علم مبسوق بجهل . فلم يكن للإنسان علم حين لم يكن موجودا ، فلم وجد أودع اللَّه فطرته بعض العلوم ، كما حصل على بعض العلوم أيضاً عن طريق الحس والتجربة ، كما تعلم على يد الآخرين ، والأنواع الثلاثة تشكل نوعا من أنواع التعلم ، وعليه فجميع العلماء - سوى اللَّه - متعلمون ، والذات الإلهية فقط الموصوفة بالعلم الأزلي اللامتناهي . القرآن الكريم من جنبه قال : « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » « 2 » وقال في الصفة السادسة : « وكل قادر غيره يقدر ويعجز » ودليل ذلك عدم تناهي ذاته ومحدودية ما سواه ، فلما كانت قدرته عين ذاته فهي مطلقة لامتناهية ، أمّا غيره فقدرته محدودة مهما كان ، وعليه فهو يقدر على بعض الأشياء ويعجز من غيرها ، بل قد يقوى على القيام بأمر في ظروف ويعجز عن

--> ( 1 ) سورة الأعراف / 188 . ( 2 ) سورة النحل / 78 .